مجد الدين ابن الأثير
296
المختار من مناقب الأخيار
غاب عنّا فلم نره ، فرجعنا إلى ابن السمّاك فأخبرناه بذلك ، فوضع يده على موضع الوجع وقال ما قال الرجل ، فعوفي في الوقت . وقال لنا : ذلك الخضر عليه السلام . وقال : قلت لراهب في دير حرملة « 1 » وأشرف عليّ من صومعته فقلت : يا راهب ! ما اسمك ؟ قال : جريج . قلت : وما يحبسك في هذه الصّومعة ؟ قال : حبست نفسي فيها عن شهوات الدنيا . قلت : أما كان يستقيم أن تذهب معنا ههنا في الأرض وتجيء وتمنع نفسك الشهوات ؟ قال : هيهات هذا الذي تصف ؛ أنت فيك قوّة وأنا فيّ ضعف ، فحلت بين نفسي وبينها . قلت : ولم تفعل ذلك ؟ قال : نجد في كتبنا أنّ بدن ابن آدم خلق من الأرض ، وروحه خلق من ملكوت السماء ، فإذا أجاع بدنه وأعراه وأسهره وأقمأه « 2 » نازع الرّوح إلى الموضع الذي خرج منه ، وإذا أطعمه وسقاه وكساه ونوّمه وأراحه « 3 » أخلد البدن إلى الموضع الذي خلق منه ، فلم يكن شيء أحبّ إليه من الدنيا . قلت له : فإذا فعل هذا يعجّل له في الدنيا الثواب ؟ قال : نعم ، نور يواريه « 4 » . وقال إبراهيم بن يوسف : رمى أحمد بن أبي الحواريّ بكتبه في البحر وقال : نعم الدليل كنت ، والاشتغال بالدليل بعد الوصول محال « 5 » . وقال يوسف بن الحسين : طلب أحمد بن أبي الحواري العلم ثلاثين سنة ، فلما بلغ الغاية حمل كتبه إلى البحر فغرّقها وقال : يا علم ! لم أفعل
--> ( 1 ) قال ابن عساكر : إنه كان عند دير البقر بدمشق ديران أحدهما لخالد بن الوليد أقطعه إياه أبو عبيدة ، والآخر لأخيه حرملة بن الوليد مع قرية بالغوطة تعرف بدير حرملة ، بعد أن كاتب أبو عبيدة فيها عمر فأذن له . وربما كان هذا الدير في أرض جوبر عند مزار يقال له : « سيدي حرملة » . غوطة دمشق ص 263 . ( 2 ) أقمأه : صغّره وذلّله . اللسان ( قمأ ) . ( 3 ) في ( أ ، ل ) : « وأراه » ، والمثبت من الحلية . ( 4 ) الحلية 10 / 5 . ( 5 ) الحلية 10 / 6 .